المسعودي

321

مروج الذهب ومعادن الجوهر

كنتَ لنا واعظاً فما وعظتنا موعظة أبلغ من وفاتك ، فمن كان له عقل فليعقل ، ومن كان معتبراً فليعتبر ( 1 ) ، وقال الثامن : رُبّ هائب لك كان يغتابك من ورائك ، وهو اليوم بحضرتك لا يخافك . وقال التاسع : رب حريص على سكوتك إذ لا تسكت ، وهو اليوم حريص على كلامك إذ لا تتكلم ، وقال العاشر : كم أماتت هذه النفس ( 2 ) لئلا تموت ، وقد ماتت ، وقال الحادي عشر ، وكان صاحب خزانة كتب الحكمة : قد كنت تأمرني أن لا أبعد عنك ، فاليوم لا أقدر على الدنو منك ، وقال الثاني عشر : هذا اليوم عظيم العبر ، أقبل من شره ما كان مدبراً ، وأدبر من خيره ما كان مقبلًا ، فمن كان باكياً على من زال ملكه فليبكِ ، وقال الثالث عشر : يا عظيم السلطان اضمحلَّ سلطانك كما اضمحل ظل السحاب ، وعَفَتْ آثار مملكتك كما عفت آثار الرباب ( 3 ) ، وقال الرابع عشر : يا من ضاقت عليه الأرض طولًا وعرضاً ، ليت شعري كيف حالك فيما احتوى عليك منها ؟ وقال الخامس عشر : أعجب لمن كانت هذه سبيله كيف شرهت نفسه بجمع الحطام البائد والهشيم الهامد ، وقال السادس عشر : أيها الجمع الحافل ( 4 ) الملتقى الفاضل ، لا ترغبوا فيما لا يدوم سروره وتنقطع لذته ، فقد بان لكم الصلاح والرشاد من الغي والفساد ، وقال السابع عشر : انظروا إلى حلم النائم كيف انقضى ؟ ! وظل الغمام كيف انجلى ؟ ! وقال الثامن عشر ، وكان من حكماء الهند : يا من كان غضبه الموت هلا غضبت على الموت ، وقال التاسع عشر : قد رأيتم أيها الجمع هذا الملك الماضي فليتعظ به الآن هذا الملك الباقي ، وقال

--> ( 1 ) في بعض النسخ ومن كان مغتراً فليغتر . ( 2 ) في بعض النسخ « كم أقامت هذه النفس . « ( 3 ) في بعض النسخ » كما عفت آثار الذباب » . ( 4 ) في بعض النسخ « الجمع الحابل » .